مقديشو: تغطي النفايات والتلوث الشريط الساحلي في مقديشو، مما يكشف عن تحديات بيئية وإدارة حضرية ضعيفة في بعض مناطق الصومال. © BBN
في النظام الدولي الحديث، لا تُعدّ السيادة مجرد تصنيف قانوني فحسب، بل هي واقع قابل للقياس يقوم على السيطرة الفعلية على الإقليم، وشرعية المؤسسات، والقدرة على الحكم بفعالية. ومع ذلك، فإن حالة الصومال تكشف تناقضًا بنيويًا مستمرًا: حكومة معترف بها دوليًا باعتبارها صاحبة السيادة على دولة كاملة، بينما تقتصر سلطتها عمليًا إلى حد كبير على العاصمة مقديشو، وحتى هناك تعتمد بشكل واسع على ضمانات أمنية خارجية.
بعد أكثر من ثلاثة عقود على انهيار الدولة المركزية الصومالية عام 1991، ما تزال الحكومات المتعاقبة في مقديشو عاجزة عن بسط نفوذها خارج نطاق محدود من المناطق الحضرية. إذ تبقى مساحات واسعة من البلاد خارج السيطرة الفعلية للدولة، في ظل تهديدات مستمرة من جماعات مسلحة مثل حركة الشباب، إضافة إلى نظام فيدرالي غالبًا ما يتسم بالتنازع أكثر من التماسك. كما أن عجز القيادات الوطنية عن التحرك بحرية داخل الأراضي التي تدّعي حكمها دون ترتيبات أمنية مكثفة يعكس هشاشة مؤسسية عميقة، حيث تتجسد السيادة في الاعتراف الدبلوماسي أكثر مما تتجسد في الحكم الفعلي على الأرض.
في المقابل، تمكنت جمهورية أرض الصومال منذ استعادتها استقلالها عام 1991 من بناء نظام سياسي مستقر وفعّال نسبيًا. فمن خلال عملية قاعدية انطلقت من المصالحة المحلية وآليات الحكم التقليدية، أنشأت أرض الصومال مؤسسات قادرة على توفير الأمن الداخلي، وإجراء انتخابات ديمقراطية، والحفاظ على حدود واضحة ومحمية. ويُظهر نموذج الحكم فيها—رغم تطوره المستمر—قدرًا من الاستمرارية والشرعية الداخلية والمساءلة السياسية التي تفتقر إليها إلى حد كبير مناطق جنوب الصومال.
ويبرز هذا التباين سؤالًا جوهريًا حول طبيعة الدولة: هل تُحدد السيادة فقط على أساس المطالبات التاريخية بالأرض، أم على أساس القدرة الفعلية على الحكم؟ تؤكد النظرية السياسية أن الدولة لا بد أن تمتلك، إلى جانب الاعتراف، عنصر الفاعلية؛ أي السيطرة على الإقليم، وتقديم الخدمات العامة، واكتساب الشرعية من السكان. ووفقًا لهذه المعايير التجريبية، يتضح اتساع الفجوة بين ادعاءات الصومال وقدراتها الفعلية، بينما يقترب نموذج أرض الصومال من التعريف الكلاسيكي للدولة الفاعلة.
إن استمرار هذا التناقض يحمل تداعيات أوسع على الاستقرار الإقليمي والسياسات الدولية. فالإبقاء على إطار يعترف بسيادة اسمية دون حكم فعلي قد يؤدي إلى ترسيخ الجمود وتجاهل نماذج النجاح العملي. وتقدم جمهورية أرض الصومال مثالًا على السلام المستدام، والعمليات الانتخابية، والمرونة المؤسسية، مما يطرح ضرورة إعادة تقييم المواقف الدبلوماسية التقليدية بناءً على الواقع الميداني بدلًا من الافتراضات التاريخية.
وفي النهاية، لا يمكن أن تبقى السيادة مفهومًا مجردًا أو رمزيًا. بل يجب أن تعكس واقع الحكم والأمن والنظام السياسي. وطالما استمر التباين بين الادعاء والسيطرة، ستظل منطقة القرن الأفريقي محكومة بتناقض مستمر: كيان يدّعي سيادة لا يملك القدرة الكاملة على ممارستها، وآخر يمارس الحكم بفعالية دون اعتراف دولي يعكس ما يحققه فعليًا على الأرض.
