⚠️ تحذير: محتوى حساس
ضرب المرأة ليس من الرجولة، وليس من سنة النبي ﷺ، بل هو انحراف عن عدل الإسلام ورحمة الرسالة. الصورة تُعبّر عن آلاف النساء اللاتي صمتن تحت سطوة العادات الجاهلة وسوء فهم الدين.
في زمنٍ بات فيه الحديث عن المرأة مثقلاً بالصراخ والجدال، حيث يختلط صوت الدين مع صوت العُرف، ويعلو صوت الرجل على صوت الحكمة، تخرج آية واحدة من القرآن لتُستخدم أداة تسويغ للعنف المنزلي. آية واحدة، يلوكها البعض دون علم، ويجتزئها البعض ليضرب بها وجوه النساء قبل أجسادهن. نحن هنا لا لننكر النص، بل لنفهمه، لننزع عنه ما علق به من فهم سطحي وسلوك ظالم. لأن الإسلام، في حقيقته، لم يكن دين قسوة، بل رسالة رحمة. ولأن النبي محمد ﷺ لم يكن ضاربًا، بل كان راحمًا، حتى في أشد اللحظات.
آية الضرب في سورة النساء كانت، وستظل، محل جدل واسع. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ، وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. البعض يراها صريحة في إباحة الضرب، والبعض الآخر ينادي بأن الضرب رمزي لا يتعدى الإشارة، وأنه ليس أمرًا بل إباحة مشروطة بقيود صارمة قد تكون معدومة الصلاحية في زمننا. وفي كل هذا، ضاعت المرأة، وضاع معنى "المعاشرة بالمعروف"، وضاع صوت الرحمة الذي ظل الإسلام ينادي به منذ أول نزول الوحي.
فكيف نفهم الآية فهمًا لا يظلم المرأة؟ كيف نعيد النص إلى سياقه؟ كيف نُخرِس أصواتًا صاخبة تزعم أنها تمثل الشريعة، لكنها لا تحمل من الشريعة سوى صورة مشوهة؟ كيف نمنع من يظن أن الرجولة تُبنى على الكفّ المرفوع لا على الصدر الحاني؟
علينا أن نبدأ من أصل الأصول: كيف كان النبي ﷺ؟ هذا هو المقياس الأوحد للفهم، لا أقوال الرجال ولا اجتهادات المتعصبين. النبي ﷺ عاش حياته بين نساء، أزواجه، وخادماته، ونساء الصحابة، وكان قادرًا على أن يستخدم سلطته أو يرفع صوته أو يمد يده، لكنه ما فعل. تقول عائشة رضي الله عنها: "ما ضرب رسولُ الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأةً، ولا خادمًا، إلا أن يُجاهد في سبيل الله". هذا ليس حديثًا عن المثالية، بل هو سلوك واقعي لرجل حمل الوحي، وكان في البيت بشرًا، زوجًا، حبيبًا، لا طاغية.
فهل من بعد هذا يُقال أن الضرب "سُنّة"؟ أو أنه "علاج تربوي"؟ إنما هو رخصة لظرف محدد، ولحالة شاذة، بعد فشل الوعظ والهجر، وحتى هذه الرخصة قيدها العلماء بقيود تقارب المستحيل.
المشكلة أن بعض من يتحدثون باسم الدين اليوم لا ينظرون في روح النص، بل يبحثون عمّا يُبقي لهم سلطانًا ذكوريًا باسم الشريعة. يقولون: "قال الله: واضربوهن"، ولا يكملون الآية، ولا يراجعون الأحاديث، ولا يسمعون صوت الرسول ﷺ حين قال: "خياركم خياركم لنسائهم". ولا يتأملون في أن آخر وصاياه كانت: "استوصوا بالنساء خيرًا".
ولذلك، يجب أن نكون صرحاء مع أنفسنا ومع الناس: الإسلام بريء من كل من استخدم هذه الآية لتبرير ضرب زوجته متى غضب، أو ضربها لأنها لم تطبخ، أو لأنها رفعت صوتها، أو لأنها خالفته في رأي. الإسلام لا يعاقب المرأة بالضرب لمجرد أنها مختلفة، ولا يقبل أن يتحول البيت إلى ساحة عنف باسم القوامة. القوامة مسؤولية لا سيادة، تكليف لا تشريف، حفظ لا استعلاء.
ما معنى النشوز الذي جاء في الآية؟ هو الخروج عن الطاعة في أمرٍ شرعي، وهو سلوك مُعلن يدل على التمرد على حياة الأسرة نفسها، لا لحظة غضب، ولا رفض طلب، ولا رد فعل عاطفي. والضرب لم يأتِ في أول الآية بل في آخرها، بعد وعظ طويل وهجر مؤلم. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الشريعة ترى في الضرب شيئًا غير مرغوب فيه، لكنه مباح في أضيق الظروف، وبشروط لو طُبقت بدقة لقلّ من يجوز له أن يرفع يده.
والعجب أن بعض الناس ينسى أن الضرب الذي أُبيح مشروط بعدم الإيذاء، وألا يكون مبرحًا، ولا على الوجه، ولا في أماكن حساسة، وألا يُترك أثرًا. فهل من يضرب بعصا أو حزام، أو يدفع زوجته على الأرض، يطبق الشرع؟ أم يطبق هواه ويكذب على الله؟ أليس في هذا تحريف للدين وتعدٍ على حدود الله باسم الدين؟!
المؤلم أكثر أن هناك من يسمّون أنفسهم "علماء" وهم يحرضون على ضرب النساء، لا يعلمون أن كلمة واحدة في غير موضعها قد تفتح بابًا من العنف في بيتٍ لم يعرفه من قبل. إن من يتحدث عن الدين بغير علم، وهو يعلم أن كلماته تصل إلى الملايين، فإن وزر كل من يُسيء الفهم عليه، كما قال ﷺ: "مَن دعا إلى ضلالة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".
وهنا لا بد من التذكير بأن عددًا من كبار العلماء المعاصرين – من أمثال الشيخ محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ عبد الحليم أبو شقة، والدكتور يوسف القرضاوي – قالوا إن ضرب الزوجة لا يُفهم على ظاهره، بل هو ضرب رمزي أو مهجور تمامًا في زمننا، وأن الواجب اليوم هو الحوار والتفاهم لا استعمال اليد، لأن السُبل الأخرى أوسع، ولأن الزمن تغيّر، والمرأة لم تعد حبيسة الجدران.
في مجتمعاتنا، ما زالت المرأة تعاني من التفسير الخاطئ لهذه الآية، وتُجلد كل يوم بكلمة "قال الله"، بينما لم يقل الله أبدًا: اضربوهن بلا سبب، أو أذوهن، أو أهنّهن، أو اسكتوهن. ومن يُبرر ذلك، فهو أولى بالسكوت.
لكن دعني أطرح سؤالًا يقلب المفهوم على رؤوس من يجهلونه: لو أن الضرب كان حقًا وسيلة تربوية دائمة، فلماذا لم يضرب النبي ﷺ زوجاته حين نشزن؟ ألم يكن له الحق؟ ألم يرد في كتب السيرة أن بعض نسائه رفعن صوتهن عليه؟ ألم يعتزل نساءه شهرًا بسبب غيرتهن ومجادلتهن؟ ومع ذلك، لم يُنقل عنه أنه ضرب واحدة منهن قط.
وهذا ما يجب أن يكون المعيار، لا اجتهادات قاسية ولا رجال يلبسون الجهل لباس الفقه.
النبي ﷺ كانت حياته الزوجية مليئة بالمواقف، منها ما قد يُصنَّف في زماننا اليوم “خلافًا حادًا”، ومع ذلك لم يلجأ قط للعنف، بل كان يمارس الصبر والحوار والعقل. ولو كان الضرب حلاً، لكان النبي أول من طبقه، لأنه كان الأعلم بالشريعة. لكنه ﷺ اختار أن يُربّي بالصبر، لا بالعصا، وأن يُعالج بالحكمة، لا بالهيمنة. ولو أننا اقتدينا فعلاً لا قولًا، لما لجأ أحد إلى الضرب قط.
لكن أين نحن من هذه القدوة؟
ما نراه اليوم في بعض البيوت هو تشويه كامل لهذا الفهم. الزوج يرفع صوته في أول نقاش، ويضرب في أول خلاف، ثم يقول "أنا رجل". لكنه في الحقيقة لا يملك من الرجولة سوى الاسم. الرجولة الحقة ليست في السيطرة على المرأة، بل في السيطرة على النفس، في أن تملك غضبك حين يثور، وتُخفض جناحك لمن تحب. الرجولة التي علمنا إياها رسول الله ﷺ هي التي تحتمل، وتسامح، وتغفر، لا التي تضرب وتهين وتسكت.
أما من يُنَصِّب نفسه فقيهًا دون علم، ويقول للناس: "اضربوا زوجاتكم تأديبًا"، فهو آثم، لأنه يفتري على دين الله، ويدعو إلى الجهل، ويشعل نار الظلم في بيوت كان من الممكن أن تكون آمنة.
والله لم يجعل الضرب وسيلة للتربية، بل وسيلة استثنائية، بعد استنفاد كل الطرق. وهذا الفرق يجب أن يُفهم جيدًا: الاستثناء لا يُبنى عليه قاعدة. النبي ﷺ علّمنا أن الإنسان إذا كان له خيار بين القوة والرحمة، فالرحمة أولى. فهل يعقل أن نأخذ من الدين رخصة، ونجعلها أصلاً؟ بل نجعلها سيفًا نطعن به أرق من في بيوتنا: زوجاتنا؟
ثم لنسأل أنفسنا بصدق: ما النتيجة التي تحققت من ضرب النساء؟ كم من زوجة تغيرت للأفضل بعد أن ضُربت؟ كم من بيت استقام بعد أن لُطمت فيه الزوجة على وجهها؟ لا شيء. بل النتائج كلها مريرة: كراهية، خوف، صمت ظاهري يخفي وجعًا عميقًا، أطفال ينشأون في بيت مليء بالعنف، ونساء يفقدن الثقة في أنفسهن وربما في دينهن.
الضرب لا يصلح ما فسد، بل يزيده فسادًا. وإذا كان الله يقول عن المرأة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فهل من المعروف أن تُضرب؟ وإذا كان النبي ﷺ لم يضرب زوجاته قط، فهل نحن أفضل منه حتى نفعل ما لم يفعله؟
ثم من قال إن الضرب هو لغة "التقويم"؟ إن الذين يؤمنون بأن المرأة لا تفهم إلا بالضرب، إنما يكشفون جهلهم أولًا، وظلمهم ثانيًا، وعجزهم ثالثًا. فالعاجز فقط هو من يلجأ للضرب، لأنه لا يعرف كيف يوجّه بالكلمة، ولا يملك من المنطق ما يُقنع به، ولا من الصبر ما يُصلح به. فيضرب لأنه لا يملك غير ذلك.
في الحقيقة، أكبر إساءة إلى الإسلام ليست من أعدائه، بل من أبنائه الذين يستخدمون بعض نصوصه ليرتكبوا ما نهى الله عنه، ثم ينسبونه إلى الله. والنتيجة أن الناس – وخصوصًا النساء – يبتعدون عن الدين، لا لأن الدين قاسٍ، بل لأن صورته شوهت على أيدي بعض الجهلة.
وفي المقابل، الإسلام رفع من قدر المرأة، حتى إن القرآن نزل في قضايا تخصها، وذُكر فيها الوحي، وأُنزلت آيات لتصحيح فهم خاطئ. فكيف إذًا يُعقل أن يكون الدين الذي قال: "خيركم خيركم لأهله"، هو ذاته يُبيح أن تتحول المرأة إلى كائن يُضرب إذا أخطأ؟!
دعني أقولها لك بصراحة لم تُكتب كثيرًا:
الرجل الذي يضرب زوجته لأنه "غضب"، ليس غاضبًا بل ضعيفًا.
الرجل الذي يضرب زوجته باسم "الشرع"، لا يعرف من الشرع إلا القسوة.
الرجل الذي يرى في الضرب وسيلة رجولة، هو في الحقيقة لم يعرف الرجولة قط.
المرأة ليست جارية، وليست مخلوقًا ناقصًا، وليست طفلة تحتاج للتأديب. هي شريكة حياة، وعقل، وروح، ووجدان. هي التي حملت أبناءك، وغسلت همومك، وتحملت ضيقك، ووقفت إلى جانبك. فهل يكون جزاؤها الضرب؟ هل نرد الجميل بالإهانة؟ هل نُكافئ الوفاء بالصراخ والكفوف والركلات؟
إنه ظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة.
لكن المأساة ليست فقط في من يضرب، بل في من تعلّمت أن تُسكت صوتها وتُخفي آلامها، لأن المجتمع لا يُنصفها، ولأن صوت الفقه – كما يُعرض أحيانًا – لا يقف معها. كم من امرأة ضربها زوجها، فلما اشتكت، قيل لها: "تحمّلي، هذه قوامة"، أو: "ربما أنت السبب"، أو: "هذا تأديب شرعي". فكم من ألم صمتت عنه المرأة باسم الدين، وهو ليس من الدين في شيء؟ وكم من دمعة سقطت في وسادتها ليلًا، لا يسمعها أحد، بينما من فوق المنبر يتلو الخطيب: "واضربوهن" دون أن يشرح، أو يُبين، أو يتقِ الله في الكلمات التي تخرج من فمه؟!
إن آية "واضربوهن" ليست أمرًا مطلقًا، بل هي جزء من سياق طويل. الآية لم تقل: "اضربوهن فورًا"، بل قالت قبلها: "فعِظوهن، واهجروهن في المضاجع". ومن هنا، فالضرب يأتي بعد مرحلتين من الإصلاح، لا يُستخدم ابتداء، بل يُستخدم إن استحال كل شيء، وحتى حين يُستخدم، فهو مشروط بأن لا يكون مبرحًا، ولا مؤلمًا، ولا فيه إهانة، ولا يُمارس في لحظة غضب.
وفي واقعنا، من يضرب زوجته هل سبقه وعظ؟ هل جرب الهجر الحكيم؟ هل كان هادئًا؟ هل كان الضرب غير مبرح؟ هل كان هدفه الإصلاح لا الإهانة؟ الجواب غالبًا: لا. بل كثير ممن يضربون، لا يعرفون من الإسلام إلا جملة "الرجال قوامون على النساء"، ولا يقرأون الآيات التي بعدها، ولا الأحاديث التي تمنع الضرب، ولا سيرة من نزل عليه هذا القرآن.
ولو أن أحدهم قرأ القرآن بإنصاف، لاكتشف أن الإسلام ليس دين قسوة، بل دين عدل. ولو قرأ السيرة، لعلم أن رسول الله ﷺ لم يضرب، ولم يُشجّ رأس امرأة، ولم يهين زوجة. فلماذا نُبيح لأنفسنا ما لم يُبحه لنا الرسول؟ أي دين هذا الذي صار يُستخدم ذريعة للظلم بدلًا من أن يكون نورًا للهداية والرحمة؟
بل الأكثر إيلامًا، أن هناك من "المشايخ" في بعض الدول – ومنهم من ينتسبون إلى أرضنا، أرض الصومال – يُبررون الضرب، بل يُشجعون عليه، ويصفون المرأة بأنها ناقصة عقل، أو بأنها "لا تفهم إلا بالعصا"، أو "إن لم تُربَّى بالضرب فسدت". وهؤلاء في الحقيقة، لا يفقهون شيئًا في الفقه، ولا يعرفون شيئًا من السنة، ولا يمثلون دين الله، بل يمثلون أنفسهم.
إن الإسلام لم يأتِ ليكسر المرأة، بل ليُعيد إليها كرامتها. لم يأتِ ليُسكت صوتها، بل ليمنحها الحق في أن تُناقش، وتُعارض، وتُعبر. القرآن لم يصف المرأة بأنها كائن يجب الحذر منه، بل جعلها شريكة الرجل في الخلق، وفي العبادة، وفي الجزاء، فقال: "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف". هذه الآية وحدها كافية لأن تُغلق أفواه الذين يُريدون تحويل المرأة إلى مخلوق يُضرب إذا غضب الرجل.
ثم لننظر إلى المجتمعات التي تنتشر فيها ظاهرة ضرب الزوجات: هل استقامت بيوتهم؟ هل تربى أطفالهم على الأمن والرحمة؟ هل زاد احترام النساء؟ بالعكس، نرى جيلًا من الفتيات ينشأ وهن خائفات، فاقدات للثقة، أو متمردات ساخطات. ونرى جيلًا من الأولاد يتعلم أن "الضرب" هو الحل، فيكبر ويُكرر نفس الظلم، فندخل في دائرة لا تنتهي من الألم.
ولذلك، فإن من واجبنا اليوم، كجيل جديد، أن نُعيد قراءة النصوص، لا لننكرها، بل لنتدبرها. علينا أن نُخرس كل من يستغل الدين ليُبرر العنف، وعلينا أن نعيد للإسلام صورته النقية، الرحيمة، التي ما نزلت لتُحمل كالسوط فوق الضعفاء، بل لتكون ظلًا للمظلومين.
وما دام هناك رجل يعتقد أن من حقه أن يضرب زوجته متى شاء، فإن المعركة لم تنتهِ بعد.
وما دام هناك خطيب لا يشرح آية الضرب شرحًا علميًا صادقًا، فإن واجبنا لم يكتمل.
وما دام هناك امرأة تُخفي آثار الضرب خلف النقاب، وتُبرر ذلك باسم "الشرع"، فإن الإسلام لا يُنصر بعد.
في زمن كثرت فيه المفاهيم المغلوطة والتفسيرات المجتزأة، ظهرت أقوال من بعض من يزعمون تمثيلهم للإسلام وهم في الحقيقة يسيئون إليه، من ذلك ما يُتداول حول "ضرب الزوجة"، بل بلغ الأمر أن يتجرأ بعض من يدّعي العلم، فيزعم أن ضرب المرأة حق للرجل، وأنه وسيلة تربية وتأديب، ناسفًا بذلك أصول الرحمة التي جاء بها النبي الكريم ﷺ. إن الحديث عن ضرب الزوجة ليس أمراً يمكن المرور عليه مرور الكرام، لأنه يمسّ كرامة الإنسان، ويكشف طبيعة فهم الناس للدين، وهل هم يتبعون منهج النبي محمد ﷺ الذي لم يضرب امرأة قط، أم يتبعون أهواءهم وينسبون أقوالهم إلى الله كذباً وزوراً.
إن الآية التي طالما تم استخدامها لتبرير الضرب هي قول الله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34]. وهنا نقف، لا لنطعن في الآية — حاشا لله — بل لنفهمها كما أراد الله أن تُفهم، لأن القرآن لا يُفَسَّر إلا بمجموعه، وبلسان نبي الرحمة، وبسيرة النبي الذي نزل عليه هذا الكتاب. إن الضرب في هذه الآية، حتى عند من أقرّ به، ليس ضرب إهانة ولا أذية ولا إيلام، بل هو كما قال كثير من أهل العلم: رمزيّ، تأديبيّ خفيف لا يُقصَد به الأذى الجسدي مطلقاً، بل إن بعضهم قال لا يُستخدم اليوم البتّة، لأنه لا يؤدي في زمننا إلا إلى زيادة الشر، ويخالف مقصد الشريعة في إصلاح العلاقة الزوجية.
لقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: "الضرب إنما يكون تأديبًا، وإذا خيف من التأديب إفساد، فلا يجوز". بل ذهب ابن عاشور وغيره من كبار علماء التفسير إلى أن الضرب الوارد في الآية ليس مقصودًا بذاته، وإنما هو "آخر الحلول"، وجاء بعد العظة والهجر، ولا يجوز إلا حين تكون المرأة قد خرجت عن كل حدود المعقول، وحتى ذلك فليس للرجل أن يؤذيها أو يهين كرامتها. والأدهى من ذلك أن بعض العلماء المعاصرين، كالدكتور محمد شحرور، والدكتور عبد الحميد الأنصاري، وغيرهم من المتخصصين، ذهبوا إلى أن كلمة "واضربوهن" يمكن أن تعني "فارِقوهن"، وهي قراءة لغوية معتبرة في لسان العرب، وردت حتى في شعرهم.
ثم نأتي إلى سنة النبي محمد ﷺ، ولن تجد فيها شيئاً يدل على أنه ضرب زوجة أو حتى أشار إلى ذلك، بل قال بوضوح: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". ولو كان الضرب سلوكاً محموداً في حق الزوجة، لفعله رسول الله ﷺ، لأنه كان يُسأل عن كل شيء، ويُحتذى به في أدق التفاصيل. ومع ذلك، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: "ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط بيده، لا امرأة ولا خادماً". فهل نترك فعله، ونتبع قول من يتبجّح باسم الدين ليبرّر العنف؟ هل نعقل أن يُشرّع الإسلام للظلم ويأمر بالإيذاء، وقد قال النبي ﷺ: "اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله"؟
بل إن الإسلام جاء في بيئة كانت تضرب النساء وتعدّهن متاعاً، فجاء ليرفع المرأة، فجعل من ضربها نوعاً من الخيانة للعهد، ومن التسلط المرفوض. حتى الصحابة الكرام كانوا يعرفون أن ضرب المرأة فيه خِسة. فقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "يعني أحدكم يضرب زوجته في النهار ثم ينام معها في الليل؟! لا والله ما نفع هذا يومًا". وهذا قول رجل كان شديدًا، ولكنه فهم روح الإسلام.
ثم نأتي للواقع: هل في ضرب الزوجة خير؟ هل فيه إصلاح؟ أليس هو بابًا يُفتح للشيطان، ووسيلة لكسر القلوب، وانهيار البيوت، وانعدام الاحترام؟ كم من امرأة بكت، وكم من زوجة فقدت الثقة، وكم من طفل تربى في جو الخوف لأن والده يضرب أمه "تأديبًا"، باسم الدين؟ لا، ليس هذا من الدين. ومن فعل ذلك فقد خالف مقاصد الشريعة، وأسوأ ما في الأمر حين يقول: "أنا أطيع الله"، فيرتكب ظلماً ويسميه طاعة.
إننا نعيش اليوم في زمن لا يُصلح الناس فيه الضرب، بل يزيدهم نفورًا وبعدًا، خاصة مع تغير الفهم والتربية. لذلك قال بعض العلماء صراحة: إن ضرب الزوجة اليوم ممنوع مطلقاً، لأن الغاية لم تعد تتحقق، بل تنقلب إلى ضدها. وأكبر من هذا، أن من يضرب زوجته إنما يضرب نفسه، ويكسر بيته بيده، ويهدم المودة والرحمة التي أمر الله بها. فلو كنت رجلاً حقًا، فكن رحيمًا، قوّامًا على أهلك بالحب والعدل، لا بالسوط والصوت المرتفع.
إن كل من يبرّر العنف ضد المرأة، باسم الشريعة، فهو كاذب على الله، مفترٍ على رسوله، مشوّه لصورة الإسلام. الإسلام لا يعطيك الحق أن تضربها، بل يسألك: هل نصحت؟ هل صبرت؟ هل حافظت على الأمانة؟ فإذا كنت تضربها، فأنت لم تفعل شيئًا من ذلك، بل خنت الأمانة، وأسأت الخُلُق.
وفي النهاية، ليس الإسلام مظلة لكل من شاء أن يفعل ما يريد. الإسلام دين عدل ورحمة وكرامة، لا دين تسلط واستبداد. وإذا أردنا أن نحيا به، فعلينا أن نطبّق روحه، لا أن نختبئ وراء ألفاظ نلوّثها بجهلنا. المرأة في الإسلام مكرّمة، والزوج الصالح هو من يرحم، لا من يُهين. وأنت، أيها القارئ الكريم، إذا كنت رجلًا ذا قلب، فاعلم أن الرجولة في الصبر والحنان، لا في البطش والضرب. والنبي ﷺ هو قدوتك، لا ذاك الذي يصرخ في المقاطع ويدّعي العلم وهو يهين خلق الله، ويقسو على من أمره الله أن يكون لهم سكنًا وأمانًا.
رحم الله من قال كلمة حق، ورد عن دين الله الكذب والزور، وكان من أهل القلوب الرحيمة، لا الأيدي الظالمة.